الفيض الكاشاني

318

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الحقد إلى ما تعصي اللَّه به ولكن تستثقله بالباطن ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتّى تمتنع عمّا كنت تتطوّع به من البشاشة والرّفق والعناية ، والقيام بحاجاته ، والمجالسة معه على ذكر اللَّه ، والمعاونة على المنفعة له ، أو تترك الدّعاء له والثناء عليه أو التحريص على برّه ومواساته ، فهذا كلَّه ممّا ينقص درجتك في الدّين ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل ، وإن كان لا يعرضك لعقاب اللَّه . والأولى أن يبقى على ما كان فإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة للنفس وإرغاما للشيطان فذلك هو مقام الصدّيقين وهو من فضائل أعمال المقرّبين ، فللحقود ثلاثة أحوال عند القدرة أحدها أن يستوفي حقّه الَّذي يستحقّه من غير زيادة أو نقصان وهو العدل ، والثاني أن يحسن إليه بالعفو والصّلة وذلك هو الفضل ، والثالث أن يطلبه ( 1 ) بما لا يستحقّه وذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل والثاني هو اختيار الصدّيقين والأوّل هو منتهى درجة الصالحين ، ولنذكر الآن فضيلة العفو والإحسان . * ( فضيلة العفو ) * اعلم أنّ العفو أن تستحقّ حقّا فتسقطه وتبرأ عنه من قصاص أو غرامة وهو غير الحلم وكظم الغيظ ، فلذلك أفردناه قال اللَّه تعالى : « خذ العفو وأمر بالعرف - الآية - » ( 2 ) وقال تعالى : « وإن تعفوا أقرب للتقوى » ( 3 ) . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة ، فتواضعوا يرفعكم اللَّه ، والعفو لا يزيد العبد إلا عزّا فاعفوا يعزّكم اللَّه ، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدّقوا يغنكم اللَّه » ( 4 ) . وقالت عائشة : « ما رأيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطَّ ما لم ينتهك حرمة من محارم اللَّه فإذا انتهك من محارم اللَّه شيء كان أشدّهم في ذلك

--> ( 1 ) في الاحياء [ أن يظلمه بما لا يستحقه ] . ( 2 ) آل عمران : 198 . ( 3 ) البقرة : 238 . ( 4 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت عن محمد بن عميرة العبدي بسند ضعيف كما في الجامع الصغير ولأحمد في مسند عبد الرحمن بن عوف مثله راجع المسند ج 1 ص 193 .